أحمد مصطفى المراغي
22
تفسير المراغي
في كل ما يقولون وقد جعلوا الإيمان وقاية لستر ما يبطنون ، فأمنوا من المؤاخذة وجاسوا خلال ضعفاء المؤمنين يصدونهم عن الدين ويذكرون لهم ما يبغضهم فيه ؛ ثم أبان أن اللّه قد أعد لمثل هؤلاء عذابا شديدا يوم القيامة ، وما هم فيه من مال وولد في الدنيا لن يغنى عنهم شيئا حينئذ ؛ ثم ذكر أن الذي جرأهم على ما فعلوا هو الشيطان ، فقد استولى على عقولهم ، وزين لهم قبيح أعمالهم ، فأنساهم عذاب اليوم الآخر ؛ ثم ذكر أن أولئك هم جند الشيطان ، وجنود الشيطان لن تفلح في شئ ، وسيرد اللّه عليهم كيدهم في نحورهم ، ويحبط سعيهم ، ويظهر نور دينه ولو كره الكافرون . الإيضاح ( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أي أخبرني عن حال هؤلاء المنافقين الذين اتخذوا اليهود أولياء يناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين ؛ إن حالهم لتستدعى العجب ، يقابلون كل قوم بوجه ، فهم مع اليهود نصحاء أمناء يبلغونهم ما يعرفونه من دخائل المؤمنين اكتسابا لصداقتهم وودهم ، ومع المؤمنين مؤمنون مخلصون قد بلغ الإيمان قرارة نفوسهم ، وملك عليهم مشاعرهم وحواسهم ؛ والحقيقة أنهم يخدعون الفئتين كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله : ( ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ ) أي فلا هم بالمؤمنين حقا بل هم مؤمنون من طرف اللسان مداراة للمؤمنين وخوفا من بطشهم ، ولا هم مع اليهود ، لأنهم لا يعتقدون أنهم على الدين الحق ، ولكنهم يريدون أن ينتفعوا بما عندهم من عرض الدنيا ، وأن يحتفظوا بمودتهم إذا احتاجوا إليها ، فهم كما قال اللّه فيهم : « مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ » وفي الخبر « مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين غنمين » أي المترددة بين قطيعين « لا تدرى أيّهما تتبع » ثم ذكر أنهم يؤكدون إيمانهم وإخلاصهم بالأيمان الكاذبة فقال :